الأمم المتحدة: وهم المساواة وواقع ديناميكيات السلطة: دعوة للإصلاح الديمقراطي والمساواة والعدالة

الأمم المتحدة: وهم المساواة وواقع ديناميكيات السلطة: دعوة للإصلاح الديمقراطي والمساواة والعدالة

في خضم حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على غزة الآن وتهجير أكثر من مليون إنسان وقطع لوازم الحياة الأساسية مثل الماء والطعام والكهرباء والدواء عن سكان غزة، فشلت الأمم المتحدة مرة أخرى في وضع حد لهذه المأساة. في مثل هذه الظروف الكارثية غالبًا ما تتجه الإنسانية بأعينها المليئة بالأمل نحو مؤسسات مثل الأمم المتحدة بحثًا عن الحلول. ومع ذلك، وعلى الرغم من مهمتها النبيلة وتمثيلها الدولي الواسع النطاق، فقد وجدت الأمم المتحدة نفسها في كثير من الأحيان عاجزة عن منع الصراعات واسعة النطاق وحماية الأبرياء. هذا الواقع يفسح المجال لخيبة أمل متزايدة تجاه المنظمة.

تعكس الأمم المتحدة، في تصميمها، الحقائق الجيوسياسية التي سادت فترة الأربعينيات، وخاصة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. ومجلس الأمن، وهو أحد الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة، يجسد هذه الحقيقة فهو يضم خمس دول ــ الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين ــ وهم أعضاء دائمون يتمتعون بقوة فريدة تتمثل في حق النقض. وهذا يعني أن أي دولة من هذه الدول يمكنها بمفردها منع اعتماد قرارات موضوعية وإنسانية ولو صوت عليها جميع الدول.

في حين أن الجمعية العامة، بنموذجها الذي يدعوا إلى العدالة والديمقراطية، تصور مظهرًا من المساواة، فإن حق النقض في مجلس الأمن يتناقض بشكل مباشر مع هذا المبدأ. فهو يمنح نفوذاً غير متناسب لقلة مختارة، ويضفي طابعاً مؤسسياً على هيكل هرمي يذكرنا بالأنظمة الاستبدادية حيث تكون بعض الأصوات بطبيعتها أكثر قيمة من غيرها.

وقد أدى استخدام حق النقض، في مناسبات عديدة، إلى تعطيل الإجراءات الأساسية، حتى في مواجهة الأزمات الإنسانية. سواء كان الأمر يتعلق بالصراع السوري، أو القضية الإسرائيلية الفلسطينية، أو في العراق وغيرها من التحديات العالمية، فقد تم استخدام حق النقض في كثير من الأحيان بسبب المصالح الوطنية أو الاستراتيجية، وفي بعض الأحيان على حساب الصالح العالمي.

ورغم أن الأمم المتحدة تتمتع باعتراف ومشاركة كل دولة ذات سيادة تقريبا، فإن شرعيتها تشكل نقاشا متطورا. هل المشاركة تعني الشرعية؟ إن الخطاب المنتشر المحيط بالأمم المتحدة يؤكد على شرعيتها الدولية، ولكن في نظر كثيرين فإن بنيتها تكذب هذه الفكرة. إن الافتقار إلى التمثيل العادل وصنع القرار يعني أن العديد من الدول، وخاصة الصغيرة أو الأقل نفوذا، تشعر بالتهميش.

فعالية الأمم المتحدة المحدودة: إرث من الفرص الضائعة

يمكن للمرء أن يجادل بأن الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن التابع لها، لعبت دورا فعالا في العديد من بعثات حفظ السلام والجهود الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن دراسة بعض القرارات وتأثيراتها اللاحقة ترسم صورة أكثر دقة.

رواندا (1994) – القرار 912:

تعتبر الإبادة الجماعية في رواندا، والتي أدت إلى مقتل ما يقدر بنحو 800 ألف شخص في غضون 100 يوم، واحدة من أفظع حالات الفشل للتدخل الدولي. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة أصدرت القرار رقم 912، الذي يهدف إلى ضمان سلامة المدنيين وتقديم المساعدة الإنسانية، إلا أن تفويضها كان مقيدًا، وفشلت في منع عمليات القتل الجماعي. وعلى الرغم من نداءات المساعدة التي أطلقتها قوات حفظ السلام التابعة له على الأرض، استجاب المجتمع الدولي بمزيج محبط من اللامبالاة والبيروقراطية.

البوسنة (1992-1995) – القرار 819:

شهدت حرب البوسنة أسوأ مذبحة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية في سريبرينيتسا. على الرغم من إعلان المدينة “منطقة آمنة” بموجب القرار 819، تم إعدام أكثر من 8000 رجل وصبي بوسني بشكل منهجي. ولم تتمكن قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي تعاني بشكل ملحوظ من نقص الموارد والتجهيز، من ردع المعتدين أو حماية الأبرياء.

سوريا (2011 إلى الوقت الحاضر) – قرارات متعددة:

شهدت الحرب الأهلية السورية، التي اندلعت منذ أكثر من عقد من الزمان وأسفرت عن مئات الآلاف من القتلى ونزوح الملايين، شلل مجلس الأمن بسبب الخلافات السياسية . فالقرارات التي تهدف إلى ضمان وقف إطلاق النار، ووصول المساعدات الإنسانية، والمساءلة عن استخدام الأسلحة الكيميائية، إما تم اعتراضها أو فشلت في تحقيق أهدافها وبهذا يتحمل مجلس الأمن والدول الأعضاء المسؤولية عن ذلك.

من المؤكد أن قضية فلسطين، وعلى وجه التحديد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كانت نقطة مركزية للتداول والخلاف داخل الأمم المتحدة لعقود عديدة. لقد أصدر مجلس الأمن والجمعية العامة العديد من القرارات المتعلقة بفلسطين، مع تطلع مشترك للسلام ولكن نتائج متباينة من حيث النتائج الملموسة.

قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين: لمحة تاريخية

القرار 181 (1947) – خطة التقسيم: أوصى هذا القرار، الذي اقترحته الجمعية العامة، بتقسيم فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني إلى دولتين: واحدة يهودية والأخرى عربية، مع وضع القدس تحت الإدارة الدولية. ورغم أن القيادة اليهودية قبلت الخطة، إلا أن القيادة العربية لم تقبلها. القرار لم يمنع الصراع؛ وبدلاً من ذلك، اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948.

القرار 194 (1948): تم اعتماد هذا القرار في أعقاب حرب عام 1948، وأكد على أنه ينبغي السماح للاجئين “الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، في أقرب وقت ممكن.” ولا يزال حق العودة للاجئين الفلسطينيين، المنصوص عليه في هذا القرار، نقطة خلاف رئيسية ورفضت إسرائيل العمل به حتى الآن.

القرار 242 (1967): في أعقاب حرب الأيام الستة، أصدر مجلس الأمن هذا القرار الذي يؤكد على “عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب«انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير». وقد حذفت «أل» التعريف من كلمة «الأراضي» في النص الإنجليزي بهدف المحافظة على الغموض في تفسير هذا القرار.” ودعا إلى انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها أثناء الحرب. وقد أدى الغموض الذي يكتنف النسخة الإنجليزية من النص – وخاصة فيما يتعلق بمدى الانسحاب – إلى تفسيرات متنوعة وأعاق تنفيذه بالكامل.

القرار 338 (1973): في أعقاب حرب يوم الغفران، دعا مجلس الأمن إلى وقف فوري لإطلاق النار وبدء المفاوضات بين الطرفين. وعززت مبادئ القرار 242 وسعت إلى إطلاق عملية السلام.

القرار 478 (1980): صدر بعد إعلان إسرائيل أن القدس هي عاصمتها “الكاملة والموحدة”، وأدان هذا القرار الضم وأعلن أنه انتهاك للقانون الدولي. واليوم، لا تزال القدس الشرقية نقطة محورية في الصراع، حيث يعتبرها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم المستقبلية.

قرارات متعددة بشأن المستوطنات: كانت المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة موضوعًا لعدة قرارات، أبرزها القرار 465 (1980) والقرار 2334 (2016). كلاهما يدين الأنشطة الاستيطانية باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي وعقبة أمام السلام.

التفكير في الفعالية والتحديات

ورغم أن هذه القرارات توفر إطارا لعملية سلام محتملة، إلا أن تنفيذها كان صعبا. وتشمل العوامل الرئيسية التي تقوض فعاليتها ما يلي:

سلطة مجلس الأمن من خلال حق النقض الفيتو: يسمح هيكل مجلس الأمن لأي من أعضائه الخمسة الدائمين (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين) باستخدام حق النقض ضد القرار. على مر السنين، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض عدة مرات لدعم إسرائيل، وعرقلة القرارات التي تعتبر غير مواتية لحليفتها.

الافتقار إلى آليات التنفيذ: تفتقر العديد من هذه القرارات إلى آليات قوية لضمان تنفيذها. وبدون أدوات أو حوافز للحث على الامتثال أو معاقبة الانتهاكات، غالبا ما تظل القرارات رمزية.

انعدام الثقة المتجذّر: يتسم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بمظالم تاريخية عميقة الجذور، وانعدام الثقة، والكراهية المتجذرة. ورغم أن قرارات الأمم المتحدة تهدف إلى تحقيق العدالة، فإنها تفشل في بعض الأحيان في معالجة الحقائق والمشاعر الدقيقة على الأرض.

قرارات الأمم المتحدة بشأن العراق: دراسة تفصيلية لعدم الامتثال والعواقب

لقد أصبح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في العام 2003، والذي تم تبريره على أساس تفكيك أسلحة الدمار الشامل التي كان يملكها صدّام حسين، بمثابة لحظة فاصلة في تاريخ العلاقات الدولية ومساعي الأمم المتحدة لحفظ السلام. فقد تم فرض الحرب بالقوة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها وسط نقاش واسع النطاق، رغم العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وغياب ملحوظ للموافقة الدولية التوافقية.

وضع القرارات في سياقها

القرار 1441 (2002): قدم هذا القرار للعراق “فرصة أخيرة” للامتثال لالتزاماته المتعلقة بنزع السلاح، الناشئة عن القرارات السابقة بعد حرب الخليج عام 1991. وقد عزز القرار ولاية مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة ولكنه لم يفعل ذلك. لا يسمح صراحة باستخدام القوة. وبدلاً من ذلك، ذكر أن المجلس سوف ينعقد مرة أخرى لتقييم الامتثال، وإذا لزم الأمر، “للنظر في الوضع والحاجة إلى الامتثال الكامل”.

القرار 678 (1990) والقرار 687 (1991): في حين أن هذه القرارات السابقة، وخاصة القرار 678، سمحت للدول الأعضاء باستخدام “جميع الوسائل الضرورية” لدعم وتنفيذ القرارات اللاحقة في أعقاب غزو العراق للكويت، فإنها تمحورت حول الوضع خلال حرب الخليج.

التناقض و الإجراء الأحادي

تفسيرات متباينة: قالت الولايات المتحدة، إلى جانب شركائها في التحالف، إن التفويض باستخدام القوة من خلال القرارات خلال حرب الخليج، إلى جانب عدم امتثال العراق لالتزامات نزع السلاح، أضفى الشرعية على غزو عام 2003. ومع ذلك، كان هذا التفسير مثيرًا للجدل ولم يتم الاتفاق عليه عالميًا بين أعضاء مجلس الأمن.

غياب التفويض الصريح: لم يأذن القرار 1441 بشكل لا لبس فيه بالعمل العسكري. ولم يتم تمرير قرار لاحق يأذن صراحة باستخدام القوة، وهو القرار الذي سعت إليه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بسبب عدم وجود إجماع داخل مجلس الأمن.

تجاوز مجلس الأمن: اعتبر الكثيرون أن قرار الولايات المتحدة وحلفائها بالمضي قدماً دون تفويض واضح من الأمم المتحدة بمثابة تجاوز للإطار القانوني الدولي، مما يقوض دور الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام والأمن العالميين.

عواقب الغزو الأمريكي الكارثي للعراق

الإصابات والنزوح بين المدنيين: أدى الغزو وما تلاه من عدم الاستقرار إلى خسائر فادحة في أرواح المدنيين ونزوحهم. وتختلف تقديرات الخسائر البشرية، حيث يعتقد أن مئات الآلاف من العراقيين لقوا حتفهم كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للحرب.

اضطراب مجتمعي: أدت الحرب إلى أضرار واسعة النطاق في البنية التحتية، وانهيار القانون والنظام، والتشرذم المجتمعي، مع انتشار العنف الطائفي.

ظهور الجماعات المتطرفة: سهّلت الفوضى وفراغ السلطة ظهور الجماعات المتطرفة وتعزيزها، وأبرزها تنظيم داعش، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية الإقليمية والعالمية.

تأملات حول المسؤولية والدروس المستفادة

وتسلط الحالة العراقية الضوء على العواقب الوخيمة التي قد تترتب على تجاوز المعايير الدولية التي تجسدها قرارات الأمم المتحدة أو تفسيرها من جانب واحد. ويؤكد ضرورة العمل الدولي الجماعي والتوافقي لدعم السلام العالمي وضمان إجراء التدخلات، عندما تعتبر ضرورية، مع أقصى قدر من الاحترام للحياة البشرية والقانون الدولي. وفي أعقاب ذلك، لا بد من استيعاب الدروس حول أهمية المداولات الشاملة، والالتزام الصارم بالمعايير القانونية الدولية لمنع مثل هذه النتائج المأساوية في المستقبل. إن تعزيز قدرة الأمم المتحدة في مجال الدبلوماسية الوقائية، وحل الصراعات، وإعادة البناء في مرحلة ما بعد الصراع يظل ضرورة بالغة الأهمية لتعزيز نظام عالمي أكثر سلمية وعدالة.

الطريق إلى الأمام: نداء إلى المثقفين والإصلاحيين

التغيير هو جانب متأصل من التطور، سواء كان مجتمعيا أو مؤسسيا. تختلف الظروف العالمية والتحديات في القرن الحادي والعشرين بشكل صارخ عن تلك التي كانت سائدة في الأربعينيات. ومع ذلك، فإن الجمود في الحفاظ على الوضع الراهن عميق، حيث تتصارع الدول مع الشكوك حول ما قد ينطوي عليه الإصلاح. وكما أظهر التاريخ، فإن التحول الهادف غالبا ما يتطلب وجود محفزات. ويتحمل المثقفون والمفكرون وقادة المجتمع المدني مسؤولية فريدة في هذا الصدد فمن خلال تعزيز المناقشات المستنيرة، يستطيع المثقفون التأكيد على ضرورة الإصلاح، والتأكيد على مبادئ المساواة، والتمثيل العادل للشعوب، والأداء الديمقراطي.

و يجب على أصحاب الرؤى أن يتصوروا أممًا متحدة لا تكون مجرد انعكاس لديناميكيات القوة ولكنها نذير للتطلعات العالمية. ويشمل ذلك إعادة هيكلة عمليات صنع القرار من خلال تحويل صلاحيات مجلس الأمن الدولي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والتأكد من أن روح المنظمة تتوافق مع المبادئ الديمقراطية التي تدافع عنها عالميًا.

وفي الختام، فإن الأمم المتحدة، على الرغم من كل إمكاناتها، كانت في كثير من الأحيان قوة رد فعل وليس قوة استباقية. وفي حين أن الأمم المتحدة قامت بلا شك بتسهيل تحقيق إنجازات كبيرة خلال فترة ولايتها، فإن الدعوة الواضحة للإصلاح ضرورية جداً لمستقبل البشرية وهي حتمية. إن الرحلة من مؤسسة غارقة في السلطة والديكتاتورية إلى مؤسسة تلخص حقا التطلعات العالمية تشكل تحديا ولكنها حاسمة لتحقيق مستقبل متناغم وعادل. ولكي تزدهر البشرية حقا ولكي تتمكن الأمم المتحدة من تحقيق رؤيتها، يتعين علينا أن نعالج الأسباب الجذرية للضيق الذي نعيشه على مستوى العالم. وهذا لا يتطلب الإرادة السياسية فحسب، بل يتطلب التزاماً من كل شرائح المجتمع ــ من المعلمين إلى خبراء التكنولوجيا، ومن القادة إلى المواطنين العاديين. عندها فقط يمكننا أن نأمل في عالم تحل فيه الصراعات على أساس المساواة والعدالة والديمقراطية الحقيقية.


الصورة من عمل: Matthew TenBruggencate on Unsplsh
Matthew TenBruggencate on Unsplash

اترك تعليقاً